محمد أبو زهرة
4550
زهرة التفاسير
وإن هذا الباعث الذي بعثهم على جدلهم ، وهو باطل أضافوا إليه أمرا زادهم ضلالا ، وإمعانا في الفساد ، وقال تعالى فيه وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً الآيات هي المعجزات التي جاء بها الرسل للدلالة على الرسالة ، وأنهم يتكلمون عن اللّه تعالى لا من عند أنفسهم ، أخذوا يستهزءون ، ففرعون استهزأ بالمعجزات وهي تسع آيات ولم يذعن لها ، وعاد وثمود وقوم نوح ولوط استهزءوا بالآيات حتى دهمتهم من حيث لا يشعرون ، وأنتم معشر العرب سرتم مسار هؤلاء فاستهزأتم بالقرآن ، وقد تحداكم أن تأتوا بمثله فعجزتم وما أصغيتم بعد عجزكم للحق ، بل زدتم طغيانا ، واستهزءوا مع الآيات ، استهزءوا بما أنذروا به ، وكان استهزاؤهم به بأن لم يلتفتوا إليه ، وبأن تهكموا حتى أنه يروى أن أبا جهل كان يقول متهكما على النار : إن محمدا يقول لكم إنه يأتيكم بالنار ولأصحابه بجنات كجنات الأردن ، وهنا ملاحظة بيانية أنه ذكر الذين يجادلون بالاسم الموصول الَّذِينَ كَفَرُوا لبيان أن الكفر سيق إلى قلوبهم فسدّ مسامع الإدراك ، ولبيان أن السبب في جدلهم هو الكفر ، وإن هؤلاء ظالمون ؛ ولذا قال تعالى بعد ذلك : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً ( 57 ) . هذا تصوير دقيق للكافرين يبتدئون بالإنكار من غير روية وتعرف للأمر من كل وجوهه ، فإذا سارع إليهم جحدوا ، أو أعرضوا عن الحق وقد بدا نوره ، وسدت عليهم كل منافذ الإدراك فلا تسمع آذانهم ولا تفقه قلوبهم ؛ ولذا قال تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها الاستفهام هنا لإنكار الوقوع ، أي للنفي المؤكد مع التوبيخ للظالمين والتنديد بهم ، أي لا أحد أظلم ممن ذكّر بآيات اللّه تعالى في الكون ، ودلالتها على الخلق وأنه وحده الذي خلق كل شئ وأنه وحده هو المعبود ولا معبود سواه ، ذكر هذا التذكير ، فلم يتريث